المدن الكئيبة تحتاج إلى…

مهما طال البحث في قائمة المدن الأكثر سعادة والأسوأ لن تخلو أكثر المدن سعادة من شيء من الكآبة وكذلك لن تخلو أي مدينة من الجمال فالأمر مرتبط بوجود الإنسان أولاً وأخيراً، الكآبة مثل الجمال أمر حسي يشعر به أي إنسان وفي أي مكان وبدرجات مختلفة ولذلك يتفق البشر على وجود مكان كئيب وآخر جميل وحينما يطلب منهم توصيف مصدر ذلك تجده مرتبط أكثر بعوامل إنسانية ومجتمعية وبيئية ولكن كمتخصص في العمران أسعى لتكون المدن جميلة ومثالية قدر الإمكان ، أهدف أن لا تكون كئيبة ولذلك أفكر لعلي أصل إلى معادلة تحقق التوازن بين الجمال والكآبة في المدن.

أعتقد أن تجربة الزائر تجاه مدينة ما هي العامل الأهم في شعوره تجاه تلك المدينة أو غيرها فكلما زادت تجربة الزائر تجاه المدن توجب العمل على خلق تجارب جديدة، فمن العبارات المقلقة لي فعلاً في حديث المجتمع عن مدينة سياحية أن زيارتها خلال سنوات متباعدة لم تشكل أي فارق ولم يكن هنالك اختلافات جوهرية تذكر وهذا دلالة أن الذاكرة البصرية والتجربة الأولى تبقى ولكن التجربة التالية هي الأهم في وجهة نظري وهي ما يجب أن نسعى لتحقيقه وإستهدافه بشكل مستمر.

هنالك مدن تعمل على إثارة الحواس المختلفة لدى البشر وتثير شجونهم بطرق مختلفة عن غيرها من المدن وقد حاولت سؤال العديد من الأشخاص بأعمار مختلفة عن شعورهم حيال مدن ومحافظات وقرى معينة وسؤالهم ما الذي يمكن أن يجعل المدن كئيبة فغالبهم لم يخرجوا عن عنصري المجتمع والبيئة وقليل منهم ذهب في اتجاه العناصر الحضرية واستطيع أن أؤكد أنهم جميعاً على صواب تجاه تلك العناصر ولكن غياب تأثير المحور الحضري بات واضحاً للمتخصصين وكذلك لأولئك الذين يمتلكون قدرة على فهم المدن بشكل أفضل من غيرهم.

الحقيقة التي أجدها أمامي كل مرة هي مدى تفضيل الأطفال للقرى مع ندرة الخصائص الحضرية فيها وينزعجون من المدن مع تعدد العناصر الحضرية في المدن أو توفرها بالحد الأدنى على الاقل وهذا أمر ليس مستغرباً فما يسعد الأطفال في القرى ليس سوى التجربة المختلفة كل مرة وهذا يدفعنا نحو التفكير فيما تحتاجه المدن الكئيبة فعلياً وحتى نعلم ذلك لنبدأ في سؤال الأطفال والأطفال فقط لأن الآخرين لا يملكون الكثير ليقدموه من أجل ذلك.

تذكرة مغادرة : يقول الفيلسوف والفيزيائي الفرنسي بليز باسكال “الحكمة تعود بنا إلى الطفولة”.

مسئوليات المدن

تبقى هذه المسئوليات غير واضحة المعالم حتى الآن وستتطلب من إدارات المدن مراجعتها خلال السنوات القليلة القادمة، وحتى نتعرف على هذه المسئوليات يجب أن ندرك أن المدن تتعامل مع متغيرات دائمة ومستمرة ولهذا يجب على إدارتها فهم المدينة ومكوناتها وعناصرها الأساسية ومواردها كذلك وذلك من أجل تحمل مسئوليتها أمام ملفات هامة مثل المشاركة المجتمعية، البطالة، المحتوى المحلي، النقل، الخدمات، المرافق، البنية التحتية وغيرها مع قراءة مدى قدرة المدن على تحقيق نجاحات فعلية في هذه الملفات.

أن استمرار إدارات المدن في الغياب عن فهم هذا الواقع سيجعلها تواجه التحديات المستقبلية مرغمة على حلول ليست هي الأفضل بالتأكيد ولكنها ستكون حلولاً عاجلة وقاسية أحياناً، أما إذا ما بدأت المدن في إدراك واقعها الفعلي بعيداً عن تكرار رسم الصورة الوردية للمستقبل فأنها ستحقق ما سيجعل هذه المدن أمام رؤية مستقبلية تستطيع فيها إدارات المدن تغيير معادلات التنمية وتدفعها نحو قراءة إمكانياتها المختلفة والحث على الاستفادة منها واستثمارها بالشكل الأمثل.

تذكرة مغادرة : يقول الأديب يوسف السباعي (حمداً لله علـى أوهامنا، إنّها تمنحنا بقية أمل، وبقية عزاء).

مشاريع منجزة ولكن فشلت!

عدد لا بأس به من المشاريع العمرانية حول العالم أنجزت بكامل مراحلها على أرض الواقع ولكنها واجهت مشاكل جمة أثناء التشغيل وكل إدارة مشروع منها تحاول قدر الإمكان تدارك ما يمكن تداركه مع عدم الاقتناع بالأمر الواقع !! لأنه بات أمراً محرجاً بالتأكيد.

تنشئ المشاريع العمرانية لاستخدامات معينة وأهداف محددة وبحسب دراسات عمرانية وهذا الواقع لن يتغير أثناء فترة تنفيذ المشروع ولكن مع إنتهاء آخر مرحلة من مراحل البناء والتشييد تتفأجئ إدارات تلك المشاريع بأنه عملية التشغيل تكاد تكون مستحيلة بحسب واقع المشروع في تلك اللحظة مما يعني مزيداً من التحسين والتطوير الذي يلطف الواقع ولن يغير فيه الكثير.

هذا الواقع الذي يحدث للعديد من المشروعات العمرانية لم يبدأ فعلياً مع إنتهاء المشروع بل بدأ عند أول خطوة في التفكير بالمشروع وأهدافه فالعديد من المشاريع تفشل لأن أهدافها غير واقعية أو تقليد لفكرة من هنا أو هناك ولكنه الأصرار على تخيل مستقبل غير صحيح للمشروع مع تجاهل الآراء والعديد من العوائق وتأجيل التفكير في كل ملاحظة حتى مرحلة الدراسات الفعلية والذي يحدث في هذه المرحلة هو عنصر مؤثر في واقع فشل المشاريع العمرانية المنجزة عندما تحاول الجهات المسئولة عن الدراسات قراءة الرغبات لدى فريق الإدارة لا قراءة الواقع والاحتياج وبعدها يصبح الأمر أن فريق الدراسة يعيد إقناع أصحاب القرار بما هم مقتنعون به من خلال نماذج وأرقام وألوان ومجسمات دون العمل على دراسات فعلية من أرض الواقع أو العمل على توثيق المعلومات المعتمد عليها والتي تتم بشكل لا ينم عن احترافية والسبب الأضافي الذي أجده مؤثراً في فشل المشاريع العمرانية المنجزة هو أن عملية إنجاز تشييد وبناء المشروع العمراني بحد ذاتها هي المعتبرة بالإنجاز أما مرحلة التشغيل التالية لم تكن جزء من النجاح.

تذكرة مغادرة : يقول ويليام كليفورد “لو تجاهل الإنسان كل سؤال يُخالف اعتقاده، وامتنع عن قراءة الكُتب التي تُخالف أفكاره وما يؤمن به ، فإن حياته ستكون خطيئة ضد البشرية”.

جوائز المدن ,, فرصة

تطالعنا الأخبار السعيدة دوما عن المدن بالمزيد من التقييمات والمعايير لأغراض متعددة فمرة لمستوى جودة الحياة وأخرى لأفضل المقاصد السياحية وثالثة للمدينة الأكثر سعادة وهكذا تستمر الأخبار عن المدن في وضعها ضمن معايير مختلفة ومتنوعة وإنتقائية أحيانا حتى تتغير ميزان مدينة على أخرى والحقيقة أن الفرصة الحقيقية للمدن لم تأتي بعد وهي فرص بالإمكان الإستفادة منها وتطويرها وهذه الفرصة تبقى لفترة مؤقتة فأما يستفاد منها أو تذهب أدراج الرياح.

أن حصول مدينة ما على جائزة عالمية أو محلية أو إنضمام مدينة لتكون ضمن التراث العالمي أو حصول مدينة ما لتكون مقصداً سياحيا أو تجارياً أو أقتصاديا هي فرصة سانحة لإعادة النهوض بالمدينة وتجديد دماءها ويتم ذلك بالإعتناء بالمدينة والذي يسبق كل شيء آخر فالعمل على تنميتها وتطويرها بالتأكيد سيجعلها تلفت الأنظار ويحقق غايات متعددة ضمن محور جودة الحياة في المدن وبطبيعة الحال ستكون المدينة حينها هدف لكل جائزة مخصصة للمدن بهدف المشاركة في النجاح المحقق على الواقع والكلمة السر في ذلك هي تعظيم المكاسب من تحقيق النجاح سواء كان جائزة أو أنضمام المدينة لتكون ضمن التراث العالمي فذلك هو أحد العناصر الجذب على مستوى عالمي ولتصبح المدينة جزء من منظومة الإستهداف الإيجابي لزيارات المدن والوجهات الناجحة وبذلك تتغير أرقام المدن إيجابياً.

في المملكة العربية السعودية حققت بعض المدن جوائز مميزة كان منها مدينة المدينة المنورة ومدينة الأحساء فقد حصلت المدينة المنورة على جائزتان عالميتان وتوجت بها هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة الأولى هي الجائزة الذهبية عن مشروع تطوير وتأهيل حي حمراء الأسد على الجائزة والجائزة الفضية عن مشروع تطوير وتأهيل جادة قباء وهذه الجائزة العالمية للمجتمعات الحيوية عن فئة المشاريع المتلزمة بتطبيق أفضل الممارسات العالمية في إدارة البيئة المحلية والمجتمعات الحيوية في مجال الأنسنة المميز في هاتين
الجائزتين هو أن عدد المدن التي شاركت بالمسابقة تجاوز ثمانون مدينة من مختلف دول العالم, كما اختيرت الأحساء لتكون عاصمة للسياحة العربية للعام 2019 لتؤكد أحقيتها كمدينة تاريخية وثقافية وسياحية في نيل هذا النجاح وشاهداً على نجاحها السابق في تسجيل واحة الأحساء ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي بمنظمة الأمم المتحدة (اليونسكو) خلال العام الماضي والعمل الكثير ينتظر بقية المدن لتقدم ما لديها عالمياً وإقليميا ومحلياً أما العمل الأكثر جهداً وتميزاً هو ما ينتظر مسئولي مدينتي المدينة المنورة والأحساء من أجل المحافظة على المكتسبات المتحققة وتحقيق نجاحات أخرى في مجالات مختلفة وعلى مستويات عالمية وأقليمية.

تذكرة مغادرة : يقول الأديب الياباني ماتسوو باشو “لا تبحث عن خطى الحكماء بل ابحث عن أعمالهم وثمرة قطافهم”.